أحمد ايبش
151
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
قال ابن عساكر : ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبّادين ورواق دار الحجارة ودار خديجة ، في سنة اثنتين وستين وخمسمائة . قال الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي : ثم عمل لها الشّاذروان ، في آخر دولة الملك العادل سنة نيّف عشرة وستمائة . قال : ورأيت القصعة وهي أكبر من التي في وسط طهارة جيرون . وفي زنّارها الأوسط ستّ أنابيب صغار ، تفور حول الفوّارة ، وعليها درابزينات . فلما احترقت اللّبادين سنة إحدى وثمانين وستمائة ، تلفت هذه القصعة وبني عوضها هذه البركة المثمّنة . وينبع الماء في هذه البركة من قناة دفنت إليها من مكان مرتفع . فيعلو بها الماء نحو قامة . وسمعة الفوّارة أعظم من مرآها ، واسمها أجلّ من معناها . قلت : ولما وقع الحريق سنة أربعين وسبعمائة « 1 » بسوق الدّهشة والطرائفيين ، وتشعّث وجه الجدار الذي للمشهد المعروف بأبي بكر ، وتعلّت شرر النار حتى وصلت إلى دائر المنارة الشرقية وشرعوا في إصلاح ما وهي من ذلك ، وجدوا أعاليها متداعية ، وحجارتها مفخّرة مفطّرة . فوقف عليها الحكام وقامت البيّنة بالضرورة الدّاعية إلى نقض المنارة وتجديد بنائها . فنقضت جدرها الأربعة إلى حد أوتار الرّواق القبليّ ، ونقض الجدار القبلي والجدار الشرقي إلى الأرض ، وحفر ما بين الجدران في وسط المنارة عدّة قامات . وبني ذلك لبنة واحدة ، وبنيت المنارة بنيانا جليلا لم يبن من زمن الوليد أجلّ منه ولا أوثق .
--> ( 1 ) يريد واقعة إحراق الجامع الأموي عام 740 ه على أيدي عميلين فرنجيين . وفي نصّ ابن فضل اللّه هذا فوائد بليغة حول إعادة إعمار ما تخرّب ، وبخاصّة المنارة الشرقية . وذكر الواقعة الحافظ عماد الدّين ابن كثير في البداية والنّهاية ، بمطلع حوادث سنة 740 ه . كما أن مؤرّخ مصر الكبير تقيّ الدّين المقريزي ذكر وقائعها في موسوعته التاريخية الإدارية كتاب السّلوك لمعرفة دول الملوك ، 2 / 2 : 496 . وسأقدّم في الجزء الثالث من كتابي هذا بحثا مفصّلا لهذه الواقعة ، مع محضر رسمي كتب عنها في حينها .